علي الجارم / مصطفى أمين

109

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

انظر إلى الكلمة « أياد » في قول المتنبي ؛ أتظن أنه أراد بها الأيدي الحقيقية ؟ لا . إنه يريد بها النّعم ، فكلمة أياد هنا مجاز ، ولكن هل ترى بين الأيدي والنعم مشابهة ؟ لا . فما العلاقة إذا بعد أن عرفت فيما سبق من الدروس أن لكل مجاز علاقة ، وأن العربي لا يرسل كلمة في غير معناها إلا بعد وجود صلة وعلاقة بين المعنيين ؟ تأمل تجد أنّ اليد الحقيقية هي التي تمنح النعم فهي سبب فيها ، فالعلاقة إذا السببية وهذا كثير شائع في لغة العرب . ثم انظر إلى قوله تعالى : « وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً » ؛ الرزق لا ينزل من السماء ولكن الذي ينزل مطر ينشأ عنه النبات الذي منه طعامنا ورزقنا ، فالرزق مسبب عن المطر ، فهو مجاز علاقته المسببية . أما كلمة « العيون » في البيت فالمراد بها الجواسيس ، ومن الهيّن أن تفهم أن استعمالها في ذلك مجازىّ ، والعلاقة أن العين جزء من الجاسوس ولها شأن كبير فيه فأطلق الجزء وأريد الكل : ولذلك يقال إن العلاقة هنا الجزئية . وإذا نظرت في قوله تعالى : « وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ » رأيت أن الإنسان لا يستطيع أن يضع إصبعه كلها في أذنه ، وأن الأصابع في الآية الكريمة أطلقت وأريد أطرافها فهي مجاز علاقته الكلية . ثم تأمل قوله تعالى : « وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ » تجد أن اليتيم في اللغة هو الصغير الذي مات أبوه ، فهل تظن أن اللّه سبحانه يأمر بإعطاء اليتامى الصغار أموال آبائهم ؟ هذا غير معقول ، بل الواقع أن اللّه يأمر بإعطاء الأموال من وصلوا سن الرّشد بعد أن كانوا يتامى ، فكلمة اليتامى هنا مجاز لأنها استعملت في الراشدين والعلاقة اعتبار ما كان . ثم انظر إلى قوله تعالى : « وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » تجد أن فاجرا وكفارا مجازان لأن المولود حين يولد لا يكون فاجرا ولا كفارا ،